أبي منصور الماتريدي
371
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يحتمل : واذكر باسم ربك . أو صل باسم ربك ؛ كقوله : وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى : 15 ] . أو يقول : اذكر اسم ربك ، أي : كن ذاكرا له في كل وقت . وقوله - عزّ وجل - : بُكْرَةً وَأَصِيلًا : البكرة : تحتمل صلاة الصبح ، والأصيل : يحتمل صلاة الظهر والعصر . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا : تحتمل صلاة الليل النوافل إن كان قوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا في صلاة « 1 » الفرائض ، وإن لم يكن في ذلك ؛ فيكون كأنه قال : واذكر ربك في كل وقت بالليل والنهار . أو يقول : فليكن اسم ربك مذكورا ؛ حتى لا تخلو ساعة من هذه الساعات إلا وهو مذكور فيها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا : حب العاجلة مما طبع به الخلائق ؛ لأن كل طبع على حب الانتفاع والتمتع بالشيء ؛ فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه وأنشئوا ، ولكن إنما يلحق الذم من أحب الدنيا واختارها وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا وأسست ؛ فالدنيا إنما أسست ، وجعلت ؛ ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة ؛ فمن أحب لهذا ، فهو لا يلحقه بذلك ذم ، ولا تعيير ؛ ومن أحبها وآثرها لها ، واكتسبها لها ، فهو المذموم ، وأولئك كانوا مختلفين في ذلك ، لم يكونوا على فن واحد . منهم من حمله حبه الدنيا على إنكار وحدانية الله - تعالى - وألوهيته . ومنهم من حمله حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم ، ومكابرة الحق . ومنهم من حمله حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما عملوا . ومنهم من حمله حبه الدنيا على التفريق بين الرسل ، أنكروا بعضا ، وصدقوا بعضا . تولد من حبهم إياها ما ذكرنا ؛ فلحقهم الذم لذلك ، وكذلك ما ذكر من الإنفاق في الدنيا حيث قال : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ . . . الآية [ آل عمران : 117 ] ، فمن أنفق [ من ] « 2 » هذه الدنيا لها ؛ فتكون نفقته ما ذكر ؛ لأنه أنفق لغير ما جعلت له النفقة ؛ فكان ما ذكر ؛ فعلى ذلك من أحب الدنيا ، واختارها للدنيا
--> ( 1 ) في ب : صلوات . ( 2 ) سقط في ب .